كنال44|مقالات الراي

 قانون للبيع في المزاد غير العلني

FB_IMG_1774695712805

عندما يصبح القانون “عكازاً” للثراء وتتحول النصوص إلى حبال مطاطية

يُفترض في القانون أن يكون السيف الذي يقطع دابر الظلم، والميزان الذي لا يميل مع الهوى. لكن، في لحظات تاريخية ومجتمعية حرجة، قد يتحول هذا السيف إلى “مشرط” في يد جراح طماع، لا يقطع إلا ليملأ جيوبه، ولا يتحرك إلا لخدمة مصلحته الخاصة. هنا، يتحول القانون من أداة لتحقيق العدالة إلى مطية للثراء، ومن نص ملزم إلى مادة “مطاطية” تُشد وتُرخى حسب هوى من يطبقها.

1. تمطيط النصوص: فن التفسير الكيدي

إن أخطر ما يواجه العدالة ليس غياب القانون، بل “تطويعه”. عندما يمتلك المسؤول عن التنفيذ سلطة التأويل، ويبدأ في تفسير الثغرات القانونية لصالح أجندات شخصية، نكون أمام ظاهرة التمطيط:

التطبيق الانتقائي: يُفعل القانون بصرامة حديدية على الضعفاء، ويُجمد تماماً أو يُؤول بلين مفرط تجاه الأقوياء أو من يدفع الثمن.

خلق التعقيد: يتم تعمد تعقيد المساطر القانونية لتصبح “متاهة” لا يخرج منها المواطن إلا بدفع ضريبة “تسهيل المأمورية” للمسؤول.

2. القانون كمشروع استثماري

حينما يرى المسؤول في منصبه “ضيعة خاصة”، يتحول تطبيق القانون من واجب وطني إلى فرصة استثمارية. في هذه الحالة:

تصبح الغرامات وسيلة للجباية الشخصية بدلاً من الردع.

تتحول الرخص والامتيازات القانونية إلى سلع تُباع وتُشترى في سوق سوداء يديرها القائمون على حماية القانون أنفسهم.

يُستخدم “النص القانوني” كعصا للترهيب؛ لإجبار الخصوم على التنازل عن حصص أو أموال مقابل “تغاضٍ” قانوني موهوم.

3. التبعات: انهيار العقد الاجتماعي

عندما يرى المواطن أن القانون ليس “مسطرة” واحدة للجميع، بل هو “قماش” يفصله المسؤول على مقاسه ومقاس ثرائه، تترتب آثار كارثية:

فقدان الثقة المؤسساتية: تنكسر الرابطة بين المواطن والدولة، ويصبح الامتثال للقانون ناتجاً عن الخوف لا عن الاقتناع.

هجرة الاستثمار: لا ينمو رأس المال في بيئة يسودها “هوى المطبق”، بل يبحث عن بيئات تحكمها نصوص واضحة وقضاء مستقل.

التطبيع مع الفساد: يتحول الفساد من سلوك منبوذ إلى “ثقافة مجتمعية” يراها البعض ضرورة للعيش في ظل قانون غير منصف.

“إن أفسد أنواع الاستبداد هو ذلك الذي يتستر خلف عباءة القانون، ويتم باسم العدالة.”

إن تحصين القانون من أن يصبح مطية للغناء الفاحش لا يكون فقط بصياغة نصوص محكمة، بل بإنشاء آليات رقابية مستقلة، وتفعيل مبدأ “من أين لك هذا؟”، وربط المسؤولية بالمحاسبة فعلياً لا شعاراً. فالقانون الذي يُطبق بالهوى هو والظلم سيان، بل هو أشد وطأة لأنه يلبس ثوب الحق ليمارس الباطل.

أضف تعليقك

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية)

‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

تعليقات

0
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي كنال44