في قراءة نقدية عميقة ومكثفة، قدم الشاعر والناقد والمخرج المسرحي محمد مفتاح مقاربة فكرية وجمالية لقصيدة “أنا الشاهد على قيد الحياة” للشاعر عبد الله الرخا، كاشفا عن أبعادها الوجودية والرمزية التي تتجاوز حدود اللغة إلى فضاء التأمل الفلسفي.
وتنطلق هذه القراءة من اعتبار القصيدة نصا مشحونا بـ”ميتافيزيقا الانبعاث”، حيث لا تفهم الحيرة بوصفها عجزا، بل باعتبارها طاقة خلاقة تعيد بناء الذات من داخل الانكسار. فالشاعر، بحسب مفتاح، لا يكتب تجربة عابرة، بل يؤسس “مانيفيستو” شعريا للحياة، تنتزع فيه الكينونة من قلب العتمة، وتعلن فيه الذات عن حضورها كشاهد على البقاء.
ويرى الناقد أن العنوان “أنا الشاهد على قيد الحياة” يشكل عتبة دلالية قوية، تعكس تحولا من مجرد الإحساس بالحياة إلى توثيقها والاعتراف بها كفعل مقاومة ضد النسيان والتلاشي. فـ”الشهادة” هنا ليست توصيفا، بل موقف وجودي يواجه فوضى الغياب ويؤسس لمعنى جديد للكينونة.
كما تتوقف القراءة عند تكرار لازمة “لست أدري”، التي تتحول داخل النص من علامة تيه إلى أداة معرفية، تفتح أفق التساؤل وتكسر يقينيات الواقع الجامد. هذه الحيرة، كما يشير مفتاح، تصبح بمثابة “مختبر شعري” يعيد تشكيل الذات ويمنحها القدرة على الانبعاث من جديد.
وفي سياق تحليل البنية المكانية، تبرز جدلية “العتمة والضوء” كأحد أهم محركات التحول في النص، حيث ينتقل الشاعر من فضاءات مغلقة ومأزومة إلى آفاق مفتوحة ومشرقة، في رحلة رمزية تعكس مسار التحرر الداخلي. فالنافذة، والمدفأة، والشط، ليست مجرد أمكنة، بل رموز لحالات نفسية ووجودية متباينة.
أما على مستوى الرمز، فتتجلى قدرة الشاعر على إعادة شحن مفردات الطبيعة بدلالات جديدة، حيث تتحول العصافير إلى رمز للبراءة، والماء إلى أداة للتطهر، واللؤلؤ إلى جوهر الوجود النادر وسط زحام الحياة. وهي رموز تعكس صراع الذات بين التلاشي والتحقق، بين السراب والحقيقة.
وتخلص القراءة إلى أن القصيدة تبلغ ذروتها في لحظة “الشهادة”، حيث يعلن الشاعر انتصاره الوجداني، ليس عبر اليقين المطلق، بل من خلال الاعتراف بالحيرة كجزء من تجربة الحياة. وهنا تتحول القصيدة إلى وثيقة وجودية تؤكد أن الإنسان، رغم كل الانكسارات، قادر على أن يكون شاهداً على حياته، وصانعاً لمعناها.
بهذه المقاربة، ينجح محمد مفتاح في تفكيك البنية العميقة للنص، مقدماً قراءة تضع قصيدة عبد الله الرخا في سياق شعري وفلسفي رحب، حيث تتقاطع التجربة الذاتية مع أسئلة الإنسان الكبرى حول الوجود، والمعنى، والانبعاث.



تعليقات
0