كنال44|ثقافة وفنون

حين يُقحم “التدوير” في “التنوير” : هل هانت الثقافة في أولاد تايمة؟

IMG-20260326-WA0072

لطالما اعتُبرت معارض الكتاب محافل مقدسة للاحتفاء بالفكر، ومنصات للارتقاء بالوعي الجماعي، وفرصة للمدن لإبراز وجهها الحضاري المشرق. لكن ما شهدناه في تدبير افتتاح المعرض الجهوي للكتاب بمدينة أولاد تايمة، والزج بشركة لتدوير النفايات في صلب هذا الحدث الثقافي، يطرح علامات استفهام حارقة حول “العبقرية” التنظيمية التي أنتجت هذا الهجين المشوه.
​خلط المفاهيم: عندما يضيع الكتاب بين الحاويات
​إن إقحام شركة متخصصة في لجمع النفايات وتدبير الأزبال في افتتاح تظاهرة تُعنى بخير جليس في الزمان، ليس مجرد سقطة تنظيمية عابرة، بل هو تمييع فج للشأن الثقافي. فالمسافة بين “تنوير العقول” و”تدوير النفايات” شاسعة جداً، لا يجسرها إلا سوء التقدير أو الرغبة في تحويل الثقافة إلى مجرد “ديكور” لتلميع صورة شركات لا علاقة لها بالفكر أو الأدب.
​أي رسالة يريد المسيرون إيصالها بهذا الخلط؟ هل أصبح الكتاب في نظرهم بضاعة تُعرض بجانب مخططات جمع النفايات؟ أم أن الوعي الثقافي بات يُعامل كفائض يحتاج إلى “إعادة تدوير”؟
​إهانة لرمزية “هوارة” وصورة المدينة
​مدينة أولاد تايمة، بتاريخها ورجالاتها وموقعها كقلب نابض لمنطقة هوارة، تستحق افتتاحاً يليق بمقامها. إن تصدير صورة الشركة في مشهد كان يُفترض أن يغلب عليه عبق الورق وصوت الفكر، هو مس صريح بجمالية المدينة وصورتها الاعتبارية.
​عوضاً عن الاحتفاء بالمبدعين والكتاب المحليين.
​عوضاً عن جعل الكتاب هو “البطل” الوحيد في المشهد.
​تم حشر اللوجستيك الخدماتي في محفل يفترض أن يكون ترفاً فكرياً خالصاً.
​التمييع الممنهج للشأن الثقافي
​هذا التدبير يكرس لثقافة “الارتجال” و”الخلط بين الاختصاصات”. فالثقافة ليست قطاعاً تكميلياً يُمكن “تأثيثه” بأي مستشهر مهما كان نوع نشاطه، بل هي هوية المدينة وروحها. إن حصر الفعل الثقافي في زاوية ضيقة وجعله مرتعاً لرسائل ترويجية لشركات التدبير المفوض، هو إفراغ للمحتوى الثقافي من قيمته الرمزية والتربوية.
​كلمة أخيرة للمسيرين
​إن قسوتنا على المنظمين راجع لغيرة على الثقافة وأهلها وعلى المدينة باعتبار صورتها ملكا جماعية لا ماديا مشتركا ولأنها النسخة 18 كنا ننتظرها بشكل احترافي أكثر لأن تدبير الشأن الثقافي يتطلب حساً فنياً ووعياً بقيمة الرمز، وليس مجرد توقيع اتفاقيات أو توزيع فضاءات العرض.ولأن الشعار كان هو جعل هوارة عبق التاريخ وعشق الثقافة كان الأولى الاهتمام بالتنوير والابتعاد عن التدوير على الأقل لمناسبة أخرى …ما حدث في أولاد تايمة يستوجب وقفة تأمل واستهجان؛ فصورة المدينة وكرامة مثقفيها وقيمة الكتاب أسمى بكثير من أن تُزج في قوالب لا تشبهها.
​ارفعوا أيديكم عن تمييع الثقافة، فأولاد تايمة تستحق “ربيعاً ثقافياً” حقيقياً، لا “حملة تنظيف” في شكل معرض للكتاب.
نتمنى أن يتم استدراك ذلك في القادم من الأيام فتصحيح الخطأ خير من التمادي فيه…

أضف تعليقك

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية)

‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

تعليقات

0
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي كنال44